محمود محمود الغراب
141
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
وأمر أجناد الهوى ، أن يضربوها بسيوف النوى ، فلما طاشت العقول ، وقيدها الثقيل ، ودعاها داعي الاشتياق ، وحركتها دواعي الأشواق ، رامت الخروج إليه عشقا ، فلم تستطع فذابت في أماكنها الضيقة ومسالكها الوعرة وجدا وشوقا ، فاشتد أنينها ، وطال حزنها وحنينها ، ولم يبق إلا النفس الخافت ، والإنسان الباهت ، ورثى لها العدو والشامت ، وأذابها الأرق ، وأتلفها القلق ، وأنضجتها لواعج الحرق ، وفتك فيها الفراق بحسامه ، وجرعها مضاضة كأس مدامه ، واستولى عليها سلطان البين ، فمحق الأثر والعين ، ونزلت بفنائها عساكر الأسف ، وجردت عليها سيوف التلف ، وأيقنت بالهلاك ، وعاينت مصارع الهلّاك ، وما خافت ألم الموت ، وإنما خافت حسرة الفوت ، فنادت : يا جميل يا محسان ، يا من قال هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ، يا من تيمني بحبه ، وهيمني بين بعده وقربه ، تجليت فأبليت ، وعشقت فأرقت ، وأعرضت فأمرضت ، فياليتك مرّضت ، وأفرطت فقنطت ، وقربت فدنوت ، وبعدت فأبعدت ، وأجلست فآنست ، وأسمعت فأطمعت ، وكلمت فأكلمت « 1 » ، وخاطبت فأتعبت ، وملكت فهتكت ، وأملكت فأهلكت ، وأتهمت « 2 » ففرحت ، وأنجدت فأترحت ، ونوهت فولهت ، وزينت فأفتنت ، وألّهت فتيهت ، وفوهت فتوهت ، وغلطت فنشطت ، وعززت فعجزت ، وأسلبت فأغفلت ، وأمسكت فنسكت ، ووسعت فجمعت ، وضيقت ففرقت ، وأحرمت فأحللت ، وأحللت فحرمت ، وهذا كله سهل إذا ما أنت أقبلت ، فياليتني لم أخلق ، وإذا خلقت لم أتحقق ، وإذا تحققت لم أعشق ، وإذا عشقت لم أهجر ، وإذا هجرت لم أقبر ، وإذا قبرت لم أنشر ، وإذا نشرت لم أحشر ، وإذا حشرت لم أعتب ، وإذا عوتبت لم أزجر ، وإذا زجرت لم أطرد ، وإذا طردت لم تسعر بي النار التي فيها علي الحجب أن أنظر . فلما سمع ندائي ، وتقلبي في أنواع بلائي ، بادر الحجّاب ، إلى رفع الحجاب ، وتجلى المراد ، فنعمت العين والفؤاد . جعلنا اللّه وإياكم ممن عشق فلحق ، وصبر فظفر .
--> ( 1 ) من الكلم وهو الجرح . ( 2 ) نزلت وقربت .